في أمسية ثقافية لافتة..نحو دور فاعل للإعلام في إندماج العرب

بيل/بيين- قاسم البريدي

لم تكن ندوة (الاعلام والمغتربون العرب) التي أقيمت مؤخراً في مدينة بيل/بيين حدثاً عادياً، بل كانت أول نشاط عربي متخصص تشهده هذه المدينة المميّزة، التي تحتل المركز العاشر من حيث عدد السكان في سويسرا (نحو 60 ألف نسمة)، والمدينة الأولى فيها التي تتحدث اللغتين الألمانية والفرنسية من جهة وفيها جنسيات من 140 بلداً من جهة ثانية والنسبة العظمى منهم من البلاد العربية.

ونظم هذه الندوة الموقع الإخباري (سويسرا والعرب) swissarabic.ch  و(دار: بيل-بيين)  Haus pour Bienne بحضور شخصيات عربية وسويسرية من عدة مدن، وتمحورت حول دور الإعلام في الدفاع عن اللاجئين والمهاجرين.

 وشارك في الندوة التي استمرت أكثر من ثلاث ساعات الصحفية التونسية أمل المكّي رئيسة تحرير منصّة “إنسان” ومدرّبة إعلامية في المنظمات الدولية، والاعلامي ومنتج الأفلام اليمني فراس شمسان ضيف كاتب على مدينة بيرن، والاستشاري الأستاذ مازن الأسعد الذي رد على الاستفسارات القانونية على هامش الندوة.

وفي حفل الافتتاح قدم الزميل قاسم البريدي رئيس تحرير (سويسرا والعرب) لمحة عن دور هذا الموقع الأخباري لنقل المعلومات التي تهم العرب وباللغة العربية، واستعرض في ورقة عمل إحصائيات عن عدد العرب المقيمين بشكل دائم في سويسرا البالغ نحو70 ألف نسمة ومقارنتهم بباقي الجاليات، حيث يشكل الأجانب ربع سكان سويسرا البالغ 8.6 مليون نسمة.

أما كلمة (دار: بيل-بيين) فألقاها تيتوس شبرنغر عضو مجلس المدينة، واستعرض فيها فيلماً للتعريف بنشاطات هذه المؤسسة التي تقدم برامج مجانية للأجانب تشمل تعليم اللغات ونشاطات ثقافية وفنية متنوعة بالإضافة لتقديم صالاتها وخدماتها للقاطنين في المدينة وضيوفها مجاناً أيضاً.

لماذا إنسان؟

الصحفية التونسية أمل المكّي تحدثت في المحور الأول من الأمسية عن أنسنة التغطية الإعلامية لقضايا الهجرة في أوروبا وشرحت الظروف التي ولدت فيها منصة (إنسان) بإسهاب وبشكل ممتع.

تقول عن بداياتها: في خضم الحجر الصحي الذي فرضته جائحة كوفيد-19، انطلقت منصة (إنسان) من تونس لتحكي قصص الناس وتحقّق في الانتهاكات ضدّهم وتنقل واقعهم وآمالهم عبر القصة الإنسانية والتحقيق الاستقصائي والريبورتاج.

وأوضحت أن فيروس كورونا كان العنصر المسرّع للانطلاق بتطبيق الفكرة على أرض الواقع، وذلك للأسف لأنّ الاهتمام يتركز على أخبارها ومستجدّاتها وستضيع بين السطور الكثير من القصص التي تستحقّ أن تروى.

وعن سبب اختيارها لأسلوب الفن القصصي تقول المكي: “إنسان” جاءت إيمانا منّا بأنّ الكون محكوم بالقصص، فكان شعارنا “في البدء كانت القصّة”، ولأنّ الإنسان كثيرا ما يضيع في زحمة الأخبار والمستجدّات ولأنّ هناك الكثير ممّا لم يقل بعد.

أدوات وتقنيات متنوعة

وانتقلت المكي للحديث عن أشكال المحتوى المستخدمة في (إنسان) قائلة: نحاول تطويع معظم الأشكال الصحفية لخدمة السرد القصصي، ففي المنصة ننتج القصص المتأنية التي تتطلب الجهد والعمل والوقت مدعمة بالبيانات والتحقيقات والريبورتاجات المصوّرة ، وبالمقابل نتواجد بأشكال بسيطة وسهلة على فايسبوك والتي تلقى تفاعلاً من الجمهور، وننشر فقرات خاصّة تعتمد بعضها على الفيديو وأسميناها قصّة إنسان وفيها نحكي القصص في حدود دقيقتين ونصف، والأخرى تعتمد على النصّ والصورة وأسميناها غربة إنسان وفيها نحكي قصص المغتربين حول الأرض.

أوضاع مأساوية للاجئين

وعرضت أمل المكي أمثلة عن التحقيقات الصحفية حول أوضاع المهاجرين واللاجئين المأساوية ومنها قصة “أيوب” طالب اللجوء، السوداني الذي فر إلى تونس من الحرب في ليبيا حيث كان يعمل، وتقول: إنه كان مريضا وطالب بالرعاية الصحية مراراً وتكراراً لكنه لم يستجب له ونقل إلى المستشفى عندما تأخرت حالته الصحية، حيث توفي فيها.

واتُهم المجلس التونسي المسؤول عن اللاجئين بتجاهل حالة أيوب عمدًا “عقاباً” على تنديده بالمجلس وانتقاده له هو وآخرين.

وفي مثال آخر تحدث الصحفية أمل عن تحقيق صحفي نشرته بعنوان: (لعبة القطّ والفأر: خيط رفيع بين الحلم الأوروبي والتّرحيل)، وفيه تونسيّون يذهبون إلى “اللّعبة”، لكنّها ليست رحلة مسلّية، وعلى الحدود البوسنية-الكرواتية يتحدّد مصير مئات من التونسيين إمّا بالوصول إلى الحلم الأوروبي أو السّجن أو الموت أو الترحيل إلى تونس.

العمل لتغيير الصورة النمطية للعرب

أما في المحور الثاني للندوة فتحدث فيه الإعلامي ومنتج الأفلام اليمني فراس شمسان عن تجربته الإعلامية ومعاناته السياسية، وتأثير وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي على المهاجرين واللاجئين.

والإعلامي شمسان المقيم حاليا بصفة (ضيف كاتب) على مدينة بيرن السويسرية، وذلك ضمن مشروع كتاب في المهجر، يعتبر أحد أبرز المهتمين بقضايا الإنسان والحرية والتنمية.

في البداية يقول: لم يعد مقبولاً أن يظهر الصحفي أنه الخبر بحد ذاته، وعلينا أن نتكلم عن التجربة والصعوبات التي نواجهها كإعلاميين، ولهذا شرح شمسان بالتفصيل ومن خلال الأسئلة الرشيقة والأجوبة للجمهور ماهية الإعلام وما هو تأثيره في الحياة اليومية، وأثر المحتوى الذي يصنعه الناس او يتلقوه، خصوصاً في مواضيع حساسة كالصراعات وتقبل الآخر، ومفاهيم الكراهية والعنف، وأثرها على المهاجرين.

واستعرض فراس شمسان في محاضرته مشكلة ترويج اليوتيوب لحياة اللجوء المثيرة للشفقة فقط وليس لقيم العدالة والحرية، حيث توجد بعض النماذج السلبية في اوروبا وكراهية المهاجرين، وقال: نحن نتحدث مع بعضنا البعض ونخاف من أن نكون اقل من الاخر.. ونسأل: هل ما زالت الحدود تحكمنا؟ وما هو تأثير الإعلام العربي والغربي على حياتنا؟

وأضاف لو بحثنا في الصورة النمطية مثل تجربة آيا صوفيا ورسومات شارلي هبدوا وحرق القرآن لعرفنا كيف نظهر إعلامياً؟

وخلص للقول: في مجال توثيق الهجرة، فإن الأسئلة التي تطرح ذاتها هي: كيف نقدم أنفسنا من خلال الإعلام الأجنبي من جهة، وماذا عن الوسائل الإعلامية الناطقة باللغة العربية وتوجهاتها من جهة ثانية.. لأنه من المهم والمهم جداً أن نلاحظ تأثير اللغة وصعوبة الإنتاج الثقافي العربي؟

وعن تجربته في موقع (فن تايم) يقول الإعلامي فراس شمسان: نسعى الى الإسهام في إثراء المحتوى العربي على الانترنت، والاهتمام بالفنانين الشباب “إعلامياً” ومساعدتهم على التواصل، وخلق آليات التفاعل مع وسائل الإعلام، وطموحنا هو الإسهام في الإنتاج الفني والثقافي وخلق حراك ثقافي فني عربي بديل عن صورة العنف والصراع والكراهية. 

تكتل للجالية العربية

وفي مداخلاته في الندوة دعا الاستشاري مازن الأسعد إلى أهمية توحيد جهود الجالية العربية لتغيير مسارات الحياة في سويسرا، وقال كلما يكون للجالية تكتل وفعالية أكبر كلما تكون النتائج قوية في تحسين وضعهم واندماجهم.

وأضاف: حان الوقت للانخراط بجمعيات ومنظمات أهلية متخصصة تساعد المهاجرين واللاجئين للدفاع عن حقوقهم، خصوصاً بوجود محامين واستشاريين، مما يكون له صدى وتأثير إيجابي على الحكومة السويسرية ويساعد في اندماجهم واستقرارهم.

وقال الأسعد مخاطباً الحضور: نحن ما شاء الله عددنا كبير ومن كل البلدان العربية، فلابد من التعاون الجماعي بيننا وعدم التفرقة لأن همومنا واحدة، والكم ليس مهم لعددنا الكبير لكن الكم مع النوع مفيد ومؤثر، وهذا يحتاج إلى بذل جهود دون كلل أو ملل للانخراط في الحياة الاجتماعية والاقتصادية وسوق العمل والإدارات المختلفة.

One thought on “في أمسية ثقافية لافتة..نحو دور فاعل للإعلام في إندماج العرب

  • 01/10/2020 at 11:16 ص
    Permalink

    اهنؤكم بلقاءكم الأول في مدينة بيل ولعل طاقات بيل المخبوءة تخرج من جوفها المتفررق …فكل يغني على مزاجه.كما هو الواقع العربي المعاصر….فلعل الشباب العربي ينتفض على واقعه الماضي…ليستطيع..التأقلم وتطوير نفسه.واكتشاف طاقاته الإبداعية بلا مخاصمات…طفولية…..بل لتقديم بدائل إبداعية كل في مجاله لخدمة تطوير ثقافة الجالية العربية في المهجر…..بدل الانسحاب إلى قوقعته….الذاتية…..والحياة تجربة تقدم واستنهاظ الطاقات.المفيدة للجميع….فكلكم..مسؤول…..
    د.سامي عبد الستتار الشيخلي مقيم في بيل

    Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *