Repair Café في مدينة بيل/بيين : عندما يصبح إصلاح الأشياء وسيلة لحماية البيئة وتقريب الناس..!
- بيل/بيين ـ (سويسرا والعرب):
لماذا نرمي شيئاً يمكن إصلاحه؟ يعتبر مقهى الاصلاح Repair Café في مدينة بيل/بيين من المبادرات الجميلة في سويسرا لأنها تجمع بين الاستدامة والعمل التطوعي من جهة، وبين الاقتصاد المستدام والتواصل الاجتماعي من جهة ثانية.
(سويسرا والعرب) زارت ورشات الإصلاح التطوعية والمجانية يوم أمس السبت أمام قصر المؤتمرات في المدينة، واستمعت إلى قصص الأشخاص الذين يأتون بأجهزتهم القديمة والمتطوعين الذين يصلحونها، والنتيجة البيئية والاقتصادية والاجتماعية رائعة ومشجعة للغاية..
5 مرات في السنة
(تيتوس شبرنغر) منسق مقهى الإصلاح في مدينة بيل/بيين قال: الفكرة بسيطة.. وبدلاً من أن يرمي الشخص غرضاً تعطل، يحضره إلى مكان يجتمع فيه متطوعون لديهم خبرة حرفية، ويحاولون إصلاحه معه مجاناً، والهدف ليس مجرد إصلاح جهاز، وإنما تغيير ثقافة الاستهلاك الخاطئة برمي الأشياء عند تعطلها إلى محاولة إصلاحها وإطالة عمرها.
وأضاف لـ (سويسرا والعرب): كل عام نقيم خمس مرات ورشات (مقهى الإصلاح) لجميع الأجهزة التي تصلنا كي لا يرميها الناس في القمامة ويشترون أجهزة جديدة مكلفة.
وأوضح تيتوس: أن هذا النشاط انطلق في هذه المدينة منذ عشر سنوات وتحديداً عام 2017 ولم يكن سهلاً في البداية، لكنه حقق نجاحاً عاماً بعد عام بفضل المتطوعين.
وقال: غالباً ما نصلح 90 % من الأجهزة التي تصلنا، والحالات القليلة لا يمكن إصلاحها، وهذا اليوم تم اصلاح 80 غرضاً مختلفاً.

استدامة اجتماعية وبيئية
وعن أماكن هذه الفعاليات يقول تيتوس: معظمها تُقام في دار بيل Haus pour Bienne، وهو مركز معروف في المدينة ومكان مهم للأنشطة الاجتماعية والتطوعية، ويقام كذلك مرة واحدة سنوياً في الهواء الطلق في ساحة المدينة، ومنذ صيف 2022 أصبح هذا المشروع تحت إدارة جمعية فير FAIR غير الربحية، ومقرها في نيداو.
وهذا يعطي المشروع بعداً مهماً، لأنه لم يعد مجرد مجموعة أشخاص يلتقون لإصلاح الأشياء، بل أصبح جزءاً من عمل جمعية تهتم تحديداً بـ الاستدامة الاجتماعية والبيئية.
المتطوعون: نشعر بالسعادة
(جاكلين ليكرو) متطوعة في ورشة الخياطة فقالت لـ (سويسرا والعرب): نحن ثلاث نساء واحدة بيننا محترفة ونصلح جميع أنواع الألبسة كالبنطال والقميص والتنورة والبرادي والحقائب وغيرها، والناس تأتي بحماس خصوصاُ وأنهم يحبون بعض الملابس ويريدون الحفاظ عليها.
وقالت: الإصلاح مجاني ولكن يمكن لمن يرغب التبرع بمبلغ رمزي حسب امكانيته لنشتري في المرة القادمة بعض مستلزمات وأدوات التصليح.
أما (ميخا كونزي) و (مارك مارتان) متطوعان في اصلاح الميكانيك والالكترون قالا لـ (سويسرا والعرب): اليوم قمنا باستقبال أجهزة مختلفة وفي مقدمتها المكانس الكهربائية ومجفف الشعر، وهناك اصلاح ميكانيكي لبعض الكوابل التي تحدث بها أعطال..
وقال (مارك مارتان) : أنا مهندس ميكانيك وهذا العام الثاني الذي أشارك فيه ، والاقبال جيد وكثير من الناس ينتطرون الموعد ليأتون بأجهزة معطلة ومهمة بالنسبة لهم، وهذا الشيئ يشعرنا بالسعادة.
بدوره (توماس بانفي) متطوع اصلاح الدراجات الهوائية تحدث لـ (سويسرا والعرب) قائلاً: أنا ممرض ولدي هواية في اصلاح الدراجات ولهذا عملت اليوم كمتطوع إلى جانب زميل أخر، وهي فرصة ممتازة للقاء الناس.
وأشار إلى أن ورشة الدراجات تركز على جانين لأمان الراكب وهما: الإضاءة والفرامل (المكابح)، وندرب أيضاً صاحب الدراجة على التصليح لأن محلات الدراجات تتقاضى أجور باهظة..

ماذا يتم إصلاحه؟
المجالات متنوعة، ومن أبرزها: الملابس والمنسوجات و الأجهزة الكهربائية والإلكترونية والأجهزة المنزلية الصغيرة وأجهزة الكمبيوتر وبعض المعدات التقنية والألعاب والأغراض اليومية والدراجات في بعض الفعاليات أو ورش الإصلاح وأشياء منزلية مختلفة يمكن إصلاحها بدلاً من التخلص منها.
والأجمل أن الزائر لا يسلم غرضه وينصرف بالضرورة؛ بل يستطيع المشاركة في عملية الإصلاح والتعلم من المتطوع، وهذا يحافظ على المعرفة والمهارات اليدوية التي بدأت تتراجع في عصر الاستهلاك السريع.
لماذا الفكرة مهمة؟
أن أهمية Repair Café يمكن تلخيصها في خمسة أبعاد:
1. حماية البيئة : إطالة عمر جهاز أو قطعة ملابس تعني تقليل النفايات وتقليل الحاجة إلى إنتاج منتج جديد.
2. الاقتصاد الدائري: وبدلاً من الاقتصاد القائم على الإنتاج والاستهلاك والرمي، تشجع الفكرة على الإنتاج و الاستخدام ثم الإصلاح و إعادة الاستخدام، وهذا يتوافق بشكل مباشر مع توجه سويسرا المتزايد نحو الاقتصاد المستدام وحماية الموارد.
3. توفير المال : أحياناً يكون العطل بسيطاً جداً، مثل سلك أو قطعة صغيرة أو اتصال كهربائي، بينما شراء جهاز جديد قد يكلف مئات الفرنكات.
4. نقل المعرفة : الخبير لا يصلح الغرض فقط، بل يمكنه أن يشرح لصاحبه لماذا تعطل وكيف يمكن إصلاحه.
5. الجانب الاجتماعي : وهذا ربما من أجمل جوانب المشروع، إذ نجد شخصاً متقاعداً لديه خبرة تقنية إلى جانب شاب مهتم بالإلكترونيات، وهناك المهاجر والطالب والعائلة وشخص كبير في السن كلهم يمكن أن يلتقوا حول طاولة واحدة ويشربون القهوة معاً.
لذلك فإن مقاهي Repair Café ليست «ورشة تصليح» فقط، وإنما مكان للتواصل بين الناس والأجيال والثقافات، خصوصاً في بيل المدينة الثنائية اللغة والمتعددة الثقافات فهي مشروعا ممتاز للاندماج الاجتماعي.
فالشخص الذي لا يمتلك معرفة تقنية يستطيع التعلم، والشخص الذي يمتلك مهارة يستطيع تقديمها للآخرين، بغض النظر عن اللغة أو الأصل.

18 ألف اصلاح سنوياً ..
الفكرة انتشرت في سويسرا منذ أكثر من عقد، وتشير شبكة Repair Café حالياً إلى وجود 257 مقهى للإصلاح موزعة في أغلب المناطق، مع أكثر من 18 ألف عملية إصلاح وأكثر من 800 فعالية سنوياً، وفي عام 2025 وحده أُحضرت أكثر من 14 ألف قطعة معطلة إلى المقهى، وتم إصلاح نحو 73% منها.
وفي الواقع أصبحت هناك شبكة واسعة جداً في مختلف أنحاء البلاد، كما أن FRC في سويسرا الناطقة بالفرنسية تدعم إنشاء هذه المقاهي وتوفر أدوات التنظيم والتأمين للمسؤولية المدنية وتقدم دعماً إعلامياً.
ماذا عن باقي دول العالم…؟
في الأصل فكرة أوروبية انطلقت من هولندا ثم انتشرت بسرعة، كما توسعت الحركة خارج أوروبا أيضاً إلى دول مثل الولايات المتحدة وكندا وأستراليا وغيرها، وبالتالي أصبح مفهوم Repair Café حركة دولية حقيقية.
وما نأمله أن تنتشر هذه الفكرة في البلدان العربية خصوصاً مع ارتفاع تكاليف الحياة وصعوبة شراء أجهزة منزلية جديدة.


