بحيرة بيل بالدراجة… رحلة بين الماء والكروم والقرى السويسرية
من بيل/بيين إلى إيرلاخ ولانيڤيل وتوان وليغيرتز… جولة تكشف جمال إحدى أجمل بحيرات سويسرا
- (سويسرا والعرب) ـ قاسم البريدي:
بحيرة بيل/بيين ليست مجرد مساحة مائية تحيط بها الجبال والكروم، بل هي عالم كامل تتداخل فيه الطبيعة مع التاريخ والزراعة والسياحة والحياة اليومية.
محرر (سويسرا والعرب) قام بجولة ممتعة على الدراجة حول البحيرة وانطلق من أجواء المدينة الحديثة في بيل/بيين إلى قرى صغيرة هادئة، وحقول العنب الممتدة على سفوح الجورا، وبلدات تاريخية احتفظت حتى اليوم بأبراجها وأزقتها القديمة..وكان هذا التقرير.
بحيرة بين عالمين
تقع بحيرة بيل عند سفح جبال الجورا، وتمتد المنطقة المحيطة بها بين كانتوني برن ونوشاتيل، وتجمع بين التأثيرين الألماني والفرنسي.
وتُعد Biel/Bienne نقطة الانطلاق الطبيعية لاكتشاف البحيرة، فهي مدينة ثنائية اللغة ومركز مهم لصناعة الساعات، وفي الوقت نفسه مدينة مفتوحة مباشرة على الماء والطبيعة.
ومن شاطئ البحيرة يمكن مشاهدة القوارب وهي تتنقل بين المدن والقرى، بينما تمتد خلفها المنحدرات المزروعة بالكروم.
وتؤكد السياحة السويسرية أن أفضل الطرق لاكتشاف البحيرة هي الجمع بين الرحلة البرية والرحلة بالقارب، إذ تربط خدمات الملاحة بين بيل وعدد من البلدات والقرى وصولاً إلى جزيرة القديس بطرس.

الدراجة أو المشي..
قد تبدو البحيرة من القارب أجمل وأوسع، لكن الدراجة تمنح الزائر شيئاً مختلفاً: إمكانية التوقف متى شاء.
كل قرية تصبح محطة للتصوير، وكل منظر على البحيرة فرصة للتأمل، وكل طريق بين الكروم يكشف زاوية جديدة للمكان.
ومن المسارات المعروفة طريق الكروم الممتد بين بيل ولا نيڤيل، بطول يقارب 15 كيلومتراً، ويمر عبر مناطق زراعية وقرى النبيذ مثل توّان وليغيرتز، مع إطلالات واسعة على البحيرة.
وهذا ما يجعل المنطقة مناسبة ليس فقط لراكبي الدراجات المحترفين، بل أيضاً للعائلات ومحبي المشي والرحلات الهادئة.
توّان… قرية بطابع متوسطي
من أجمل محطات الجولة قرية Twann/ Douanne واسمها توّان باللغة الألمانية ودوان بالفرنسية، التي تبدو وكأنها معلقة بين الجبل والبحيرة.
القرية جزء من المنطقة الشهيرة بزراعة العنب، وتنتشر حولها المدرجات الزراعية والبيوت التقليدية..هنا يصبح العنب جزءاً من هوية المكان، وليس مجرد محصول زراعي.
فالمنطقة المحيطة ببحيرة بيل تضم نحو 220 هكتاراً من الكروم، يعمل فيها حوالي 60 منتجاً للنبيذ، مع أكثر من 70 نوعاً من العنب.. ومن الأصناف التقليدية تشاسلا وChardonnay وPinot Noir وغيرها.
ليغيرتز… تلتقي الكروم بالبحيرة
بعد توّان نصل إلى Ligerz/Gléresse – ليغيرتز/غليغريس، وهي إحدى أكثر قرى البحيرة شهرة بطابعها الزراعي والكروم الممتدة على المنحدرات.
المشهد هنا من أكثر المشاهد التي تستحق التوقف والتصوير: بحيرة في الأسفل، وكروم على السفوح، وقرية صغيرة بينهما.
وتُعد المنطقة مركزاً مهماً لإنتاج النبيذ المحلي، كما توجد فيها مؤسسات مرتبطة بتاريخ زراعة العنب وثقافته.

لا نيڤيل… مدينة من العصور الوسطى
محطتنا الثالثة في La Neuveville – لا نيڤيل وهي مدينة تاريخية صغيرة على ضفاف البحيرة، وتتميز بالأبراج والبيوت المتلاصقة والأزقة والنوافير، وتحافظ على جزء كبير من طابعها الوسيط.
ولهذا يمكن أن تكون محطة مثالية للزائر الذي يريد الجمع بين الطبيعة والتاريخ.
وتقدم المدينة أيضاً مسارات سياحية للمشاة، من بينها مسار يحمل طابعاً قصصياً مرتبطاً بالساحرات، ويمتد عبر المدينة القديمة وضفاف البحيرة.
إيرلاخ… وجزيرة بطرس..والفيلسوف روسو
على الجانب الآخر من البحيرة تقع Erlach – إيرلاخ، وهي من أجمل البلدات المحيطة بالبحيرة.
تتميز بأزقتها وساحاتها وقلعتها، وتشكل نقطة مهمة للوصول إلى جزيرة القديس بطرس – St. Peter’s Island.
والجزيرة في الحقيقة شبه جزيرة مرتبطة باليابسة، وهي من أشهر المواقع الطبيعية في بحيرة بيل.
يمكن الوصول إليها بالقارب، أو سيراً على الأقدام، أو بالدراجة انطلاقاً من إيرلاخ عبر طريق Heidenweg. وتضم المنطقة محمية طبيعية وشواطئ صغيرة وأماكن للنزهات.
والجزيرة ليست مجرد مقصد سياحي، بل مكان ارتبط أيضاً بتاريخ الفيلسوف والكاتب الفرنسي جان جاك روسو، الذي أقام فيها لفترة قصيرة ووجد في هدوئها وطبيعتها ملاذاً بعيداً عن صخب المدن.
اليوم تستقبل الجزيرة محبي الطبيعة والمشي وركوب الدراجات والنزهات، وتجمع بين الغابات والقصب والكروم والشواطئ الصغيرة.

أكثر من سياحة…!
وهكذا فإن الحياة حول البحيرة لا تعتمد على السياحة وحدها.. فالزراعة، وبشكل خاص زراعة العنب وإنتاج النبيذ، جزء أساسي من هوية المنطقة واقتصادها.
كما تشكل البحيرة فضاءً لممارسة العديد من الأنشطة: ركوب الدراجات، المشي، السباحة، الرياضات المائية، الرحلات بالقوارب، الصيد، والنزهات العائلية.
أما الرحلات البحرية فتقدم تجربة مختلفة تماماً، إذ تضم أسطول الملاحة في البحيرة عدة قوارب، من بينها القارب الشمسي MobiCat، كما تنظم رحلات موسيقية وغذائية ورحلات خاصة ورحلات في ضوء القمر.
مهرجانات النبيذ والحصاد
ولا تكتمل صورة المنطقة من دون مناسباتها الشعبية.
فالنبيذ والعنب ليسا مجرد نشاط زراعي، بل جزء من الحياة الاجتماعية والثقافية للقرى المحيطة بالبحيرة.
ومن أبرز المناسبات مهرجان النبيذ في لانيڤيل، كما تشتهر توّان بمناسبات مرتبطة بالنبيذ والحصاد، ومنها احتفالية Trüelete.
وتظهر أجندة 2026 السياحية، على سبيل المثال، مهرجان النبيذ في لانيڤيل من 11 إلى 13 سبتمبر 2026، وطريق النبيذ في توّان في 5 و6 سبتمبر 2026، إضافة إلى مناسبات أخرى في المنطقة.
وهذه المناسبات تمنح الزائر فرصة لرؤية القرى وهي تتحول إلى فضاءات للاحتفال بالمحصول المحلي، والاستماع إلى الموسيقى، وتذوق المنتجات المحلية والالتقاء بالسكان.
تاريخ أقدم من القرى الحالية
ولا يقتصر تاريخ البحيرة على القلاع والكنائس والبيوت القديمة.
ففي قاع البحيرة توجد آثار مستوطنات ما قبل التاريخ، ومن بينها مواقع للبيوت المبنية على ركائز خشبية تعود إلى آلاف السنين.
وتشير السياحة السويسرية إلى وجود خمسة مواقع من قرى الركائز حول بحيرة بيل مدرجة ضمن مواقع التراث العالمي لليونسكو، ويعود بعضها إلى فترة تتراوح بين نحو 3000 و7000 سنة.
وهذا يمنح البحيرة بعداً تاريخياً أعمق بكثير من صورتها السياحية المعاصرة.

بيل… البداية والنهاية
بعد المرور بالقرى والكروم والجزيرة، تعود الرحلة بنا إلى بيل/بيين.. وهنا يشعر الزائر بمدى التنوع الذي توفره هذه المنطقة في مساحة جغرافية محدودة: مدينة حديثة، بحيرة، قرى تاريخية، كروم، جزيرة، غابات، ومسارات للدراجات والمشاة.
وربما تكون هذه هي أجمل ميزة في بحيرة بيل: أنك لا تحتاج إلى السفر بعيداً للانتقال من المدينة إلى الطبيعة ومن التاريخ إلى الحياة المعاصرة.
رحلة تستحق أن تتكرر
وبالنهاية نقول: جولة الدراجة حول بحيرة بيل ليست مجرد نشاط رياضي. إنها طريقة لاكتشاف جزء من سويسرا من الداخل؛ بعيداً عن المدن السياحية الكبيرة والصور التقليدية للجبال والثلوج.
هنا، يتحرك الزائر على مهل بين الماء والكروم والقرى، ويتوقف لالتقاط صورة، أو للتحدث مع أحد السكان، أو لتناول منتج محلي، ثم يواصل طريقه.
وبالنسبة لمن يعيش في سويسرا أو يزورها، يمكن أن تكون بحيرة بيل واحدة من تلك الأماكن التي كلما عدت إليها اكتشفت فيها شيئاً جديداً.

