هواية القراءة في سويسرا تقاوم الكورونا

·       (سويسرا والعرب) – قاسم البريدي

في زمن الكورونا انتعشت هواية القراءة في المنازل السويسرية، حيث وجد الناس فرصتهم لاستكمال قراءة الكتب التي اشتروها أو استعاروها قبل الأزمة، ولحسن الحظ أن المكتبات العامة والخاصة لم تتوقف عن نشاطاتها بإرسال الكتب لروادها عبر البريد، إضافة إلى أن اكشاك الصحف والمجلات لم يطالها الحظر واستمرت بنشاطها المعتاد. 

أما طلاب المدارس والمعاهد والجامعات فيتابعون دروسهم مع معلميهم بالأنترنت عبر مختلف برامج التواصل الاجتماعي، إضافة لنشاط الجمعيات الأهلية لتوفير المساعدة للأطفال والطلاب والتشجيع على القراءة وتقديم اقتراحات عملية للأهالي لقضاء أوقات الفراغ الطويلة.

(سويسرا والعرب) تابعت واقع المطالعة في زمن الحجر الصحي بشكل خاص وواقع الكتاب وهواية القراءة في سويسرا بشكل عام وخرجت بهذا التقرير..

تعاون بين الجوار

ومع تشديد إجراءات العزل الاجتماعي والمكوث لساعات طويلة في البيت، وجد الناس فرصتهم في ممارسة هواياتهم المختلفة كالموسيقا والرياضة والرسم، لكن هوايتهم المميزة (القراءة )كان لها النصيب الأكبر خصوصا للذين توقفوا عن العمل في هذه الفترة حيث أصبحت فرصتهم مضاعفة للعودة إلى مكتباتهم المنزلية والانتهاء من الكتب التي قاموا باقتنائها خلال الفترات الماضية.

ولم يفرض فيروس كورونا إيقاعاً جديداً على عملية القراءة، كوسيلة للمعرفة والمقاومة وحسب، بل كوسيلة لتعاون الجوار حيث باتوا يتبادلون الكتب بينهم وخصص الكثيرون منهم مداخل الأبنية كمكتبة صغيرة، وأما بعض البيوت الصغيرة فوضعت الكتب الزائدة لديها أو التي انتهت من مطالعتها على أرصفة الشارع مرفقة بالعبارة الشهيرة في أوربا (gratis) وتعني مجاناً حيث يختار المارة ما يرغبون به.

قراءة الصحف والمجلات

واللافت في سويسرا أيضاً، هذا البلد الأوربي الصغير، أن الصحف والمجلات ومختلف المطبوعات الورقية ماتزال تحظى باهتمام متزايد دون الاكتراث لمنافسة الأنترنت والتقنيات الحديثة الأخرى، ولا يخلوا منزل أو مكتب أو شارع أو مكان عام أو خاص من كتاب أو جريدة وحتى في وسائط النقل والمقاهي والمشافي وعيادة الأطباء.

ووفقا للإحصائيات العالمية، فإن الشعب السويسري يعتبر من أكثر الشعوب التي تقرأ في العالم فمعظم السكان يقرأون صحيفة على الأقل ويطلعون مراراً على مجلة أسبوعية أو شهرية، ومما ساعد أكثر توفر الصحف اليومية المجانية في الأماكن العامة كصحيفة (20 دقيقة)، وبعدة طبعات فرنسية أو المانية حسب الكانتون، عدا عن متابعة الاخبار على الانترنت وفي التلفزيون والراديو.

القراءة في مقدمة الهوايات

وفي استطلاعات وسائل الاعلام ومراكز الأبحاث نجد المطالعة لدى الشعب السويسري تحتل درجات متقدمة الثانية أو الثالثة، وتظل الهواية الوحيدة التي يمارسها الناس بشكل يومي وإن اختلفت مصادر القراءة (كتب، مجلات، صحف، منشورات…)، إضافة إلى الهوايات الثقافية الأخرى كارتياد المسرح والأوبرا والسينما وقاعات المعارض.

ولا تؤثر الإقامة في المدينة أو القرية كثيرا على ممارسة الهوايات الثقافية والترفيهية المختلفة إذ تتاح نفس الفرص تقريبا في المناطق الحضرية والريفية، لكنها تعتمد على الوضع الاجتماعي والتعليمي والمهني والعمر والدخل، ورغم أن السويسريين يحبون جدا الشاشة الكبيرة لكن بعضهم لا يستطيع الذهاب إلى السينما أكثر من مرة في الشهر، لأن ثمن تذكرة الدخول يصل إلى 15 فرنك (يعادل 15 دولار).

ويبقى عامل السن المحدد الأهم لكيفية ملء أوقات فراغ السويسريين، فالأشخاص الذين يتجاوز عمرهم 60 سنة يميلون أكثر إلى النزهة والبستنة والأعمال اليدوية والمسرح والأوبرا والمعارض، بينما تجتذب الموسيقى والتظاهرات الرياضية والسينما والمراقص فئة الشباب دون سن 25 عاما، لكن السويسريون عموماً يمارسون هواية القراءة بأشكال مختلفة وبغض النظر عن الأعمار، حيث هناك تشجيع خاص لفئتي الأطفال واليافعين لخلق هذه العادة الحضارية عندهم مبكراً.

ازدهار المكتبات الخاصة

ورغم أن سعر الكتاب يعتبر مرتفعاً في سويسرا، فإن الاقبال عليه لم يتراجع، فالمكتبات الخاصة لاتزال تأخذ مكاناً مرموقاً في الأسواق، وبعضها مكتبات مشهورة وضخمة تتكون من عدة طوابق وأقسام وترتادها العائلات بكثافة، إضافة لبيع الكتب الشعبية في السوبر ماركات الكبيرة ككتب الأطفال وتعليم اللغات أو الطهي أو السياحة والسفر أو غيرها، كذلك تخصص متاجر الأشياء المستعملة والمنتشرة بكثرة أقساماً خاصة لبيع الكتب والمجلات الحديثة والقديمة بأسعار زهيدة.

وتطالب باستمرار دور النشر لاسيما بمناسبة يوم الكاتب العالمي، الذي يصادف 23 ابريل نيسان، بكسر احتكار تجارة الكتب ووضع قوانين ملزمة لتحديد سعر الكتاب، من دون التعامل مع هذا المنتوج الثقافي من منظور اقتصادي محض على أنه سلعة تجارية، وذلك ردا على قرار المحكمة الفدرالية العليا برفض وضع سعر محدد لكل كتاب ، إذ يرى القضاء أن ذلك يتنافى مع مبدأ التنافس التجاري المسموح به، لكنه في الوقت نفسه لا يعطي الفرصة لصغار المكتبات لمواجهة المنافسة التي تقوم بها كبريات دور النشر التي تجذب العملاء بتقديم تنزيلات كبيرة في الاسعار.

مكتبات في الهواء الطلق

أما المكتبات العامة في المدن والأحياء والقرى التابعة للبلديات، فهي ايضاً كبيرة جداً ولها روادها من مختلف الفئات والأعمار في مقدمتهم طلاب المدارس والأطفال، إضافة لتوفر المكتبات في المدارس والجامعات ومراكز البحوث ولدى جهات خاصة مختلفة، وهناك اشتراكات سنوية في جميع هذه المكتبات بأسعار رمزية للجميع ومجانية للطلاب، وأنشطة كثيرة لا تنقطع على مدار السنة.

وعلى التوازي ولتشجيع المطالعة، انتشرت بمبادرة من المكتبات العامة نفسها أو المنظمات الثقافية الأهلية خزائن لمكتبات صغيرة تحوي كتباً مجانية للجميع في الهواء الطلق وفي الأماكن العامة كالساحات ومواقف الباصات والحدائق وعلى شواطئ البحيرات وحمامات السباحة أغلبها دائمة وثابتة على مدار العام وبعضها الآخر موسمية خلال فصل الصيف، لتكون في متناول المصطافين، يأخذون كتاب أو يضعون آخر وبمختلف اللغات لاسيما الألمانية والفرنسية.

أكثر من 200 لغة ولهجة

ولتلبية طلبات عشاق المطالعة بمختلف اللغات لسكان سويسرا من أصول أجنبية ، ظهرت عدة جمعيات أهلية كجمعية “كتب بلا حدود” السويسرية التي تضم مختلف المكتبات متعددة الثقافات (www.interbiblio.ch) .

واستطاعت المكتبات متعددة الثقافات المنتشرة في كل الكانتونات السويسرية من احداث اقسام ضمنها بمختلف اللغات العالمية ومنها العربية والتركية والفارسية والأمهرية والألبانية ولاقت دعماً كبيراً من الجهات الحكومية والخاصة.

ويؤكد المسؤولون في جمعية (كتب بلا حدود) أن المطالعة باللغة الأصلية ليست منبع مـُتعة فحسب بالنسبة للأجنبي المقيم في سويسرا، بل أداة اندماج رائعة خصوصاً للأطفال.

 ويجري المشرفون على المكتبات التي انضمت الى هذه المبادرة اتصالات مع الناشرين الذين يشاركون في معارض الكتاب الدولية الكبرى مثل معرض فرانكفورت أو بولونيا بإيطاليا، لاختيار الكتب الأجنبية الحديثة، ويقدم القراء بدورهم مساعدة قيمة لهذه المكتبات من أجل اختيار دليل الكتب الذي ينشر أحيانا بلغات لا يفهمها العاملون في المكتبة، ولهذا وصل إجمالي الكتب باللغات الأجنبية في المكتبات السويسرية لأكثر من 200 لغة ولهجة.

أكثر من 55 مليون مطبوعة

وفقاً للمكتب الفدرالي للإحصاء، فإن عدد الكتب والمراجع والمواد السمعية والبصرية التي تضعها أكبر عشر مكتبات في سويسرا تحت تصرف القراء والباحثين بلغ نحو 55.3 مليون مطبوعة ومادة في عام 2018 بعد أن كان 43.8 مليون عام 2009 أي بمعدل زيادة نحو1.3 مليون مطبوعة ومادة سنوياً.

وعموماً فإن المكتبات السويسرية بكل أنواعها، العامة التابعة للبلديات أو للمدارس والجامعات، توسع وتطور خدماتها أمام روادها لتشمل المزيد من الكتب والمجلات والمخطوطات والميكروفيلم والتسجيلات الصوتية والوثائق المصورة والخرائط وقواعد البيانات والوثائق السمعية البصرية وغيرها، وبلغ عدد المواد التي تمت استعارتها عام 2018 من هذه المكتبات نحو4.6 مليون مطبوعة ومادة. 

وتوفر المكتبة التابعة للمعهد التقني الفدرالي العالي في زيورخ أكبر عرض للجمهور في سويسرا يبلغ 9.5 مليون وثيقة، ومن بين المكتبات الكبرى الأخرى في سويسرا، هناك المكتبة الوطنية في برن والمكتبة المركزية في زيورخ وخزينة الأفلام السويسرية في لوزان بالإضافة إلى ست مكتبات جامعية وكانتونية في كل من بازل ولوزان وبرن وفربيورغ وجنيف وزيورخ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *