مليونا عامل أجنبي يدعمون سوق العمل السويسري..وتحويلاتهم لبلدانهم بالمليارات..
- برن – (سويسرا والعرب):
أظهرت أحدث البيانات الرسمية أن العمال المهاجرين في سويسرا أرسلوا إلى بلدانهم الأصلية نحو 8.6 مليارات فرنك سويسري خلال عام 2024، بزيادة بلغت 170% مقارنة بعام 2000.
وتستند هذه الأرقام إلى بيانات البنك الوطني السويسري، والتي أدرجها المكتب الفدرالي للإحصاء ضمن تقريره الإحصائي لعام 2026، وهي تشير إلى أن أكثر من ثلثي هذه التحويلات اتجهت إلى دول أوروبية.

من أكبر الدول المرسلة للتحويلات
عند مقارنة سويسرا بالدول الأخرى، تظهر صورة أكثر إثارة للاهتمام..
وحسب بيانات البنك الدولي لعام 2024، وباستخدام مؤشر التحويلات الشخصية المدفوعة إلى الخارج، جاءت الولايات المتحدة في مقدمة الدول المرسلة بنحو 103 مليارات دولار، تلتها الإمارات العربية المتحدة بنحو 58.5 مليار دولار، والسعودية بنحو 46.6 مليار دولار، فيما سجلت سويسرا نحو 40.1 مليار دولار وفق هذا المؤشر الدولي.
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن رقم 40.1 مليار دولار ليس الرقم نفسه الذي تنشره الإحصاءات السويسرية، البالغ 8.6 مليارات فرنك، لأن المنهجية والتعريف الإحصائي مختلفان.
لكن المؤشر الدولي يوضح بجلاء أن سويسرا، رغم صغر عدد سكانها مقارنة بالولايات المتحدة والسعودية وألمانيا وفرنسا، أصبحت واحدة من أهم الدول المصدرة للتحويلات المالية للمهاجرين على مستوى العالم.
ارتفاع الأجور
لا يرتبط ارتفاع التحويلات بزيادة أعداد المهاجرين فقط، وإنما أيضاً بارتفاع الأجور وتغير حجم العمالة الأجنبية خلال السنوات الماضية.
وتكشف المقارنة الطويلة أن قيمة التحويلات من سويسرا، ترتفع بوتيرة عالية رغم أن معدلات التوظيف شهدت استقراراً نسبياً.
وبمعنى آخر، فإن الهجرة لا تعني انتقال الأشخاص فقط؛ إنها تؤدي أيضاً إلى انتقال جزء من الدخل الذي يحصلون عليه في سويسرا إلى اقتصادات أخرى.
منظومة عالمية
ومن جانب آخر فإن التحويلات المالية ظاهرة عالمية وليست سويسرية فقط، ووفقاً للبنك الدولي، فقد وصلت التحويلات الرسمية إلى البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل إلى نحو 685 مليار دولار في عام 2024، بزيادة تقدر بـ5.8% عن عام 2023.
وتصدرت الهند الدول المستقبلة للتحويلات بنحو 129 مليار دولار، تلتها المكسيك بـ 68 ملياراً، والصين بـ 48 ملياراً، والفلبين بـ 40 ملياراً، وباكستان بـ 33 مليار دولار.
وفي بعض الدول أصبحت التحويلات جزءاً مهماً جداً من الاقتصاد الوطني.. ففي عام 2024، بلغت التحويلات ما يعادل نحو 45% من الناتج المحلي في طاجيكستان، و38% في تونغا، و27% في كل من نيكاراغوا ولبنان.
وهذا يوضح لماذا تمثل تحويلات العاملين في الخارج مصدراً مهماً لدخل ملايين الأسر، ووسيلة لتمويل التعليم والصحة والسكن والاستهلاك والاستثمار.


نحو مليوني عامل أجنبي
إذا كانت التحويلات تمثل الوجه المالي للهجرة، فإن سوق العمل يكشف مدى أهمية العمال الأجانب للاقتصاد السويسري.
ففي الربع الثاني من عام 2025 بلغ عدد العاملين من الجنسيات الأجنبية مليون و873 ألف شخص، بزيادة 2.3% مقارنة بالربع الثاني من عام 2024، في حين انخفض عدد العاملين من الجنسية السويسرية بنسبة 0.3% إلى 3 ملايين و488 ألف شخص.
وتظهر البيانات الرسمية أن عدد السكان النشطين اقتصادياً من الجنسية الأجنبية ارتفع بشكل كبير خلال السنوات الماضية، بينما كان نمو القوة العاملة السويسرية أكثر محدودية.
وهذا لا يعني أن العمالة الأجنبية تحل محل العمال السويسريين؛ فالتقرير الفدرالي حول حرية تنقل الأشخاص يشير إلى أن الهجرة ساعدت على سد النقص في اليد العاملة في قطاعات عديدة، خصوصاً مع تزايد الشيخوخة السكانية.
أين يعمل العمال الأجانب؟
وجود العمال الأجانب لا يقتصر على قطاع واحد، بل يمتد من المستشفيات والمختبرات إلى المطاعم والبناء والصناعات المتقدمة.
وفي عام 2025 بلغت نسبة العاملين من مواطني الاتحاد الأوروبي أو الرابطة الأوروبية للتجارة الحرة EU/EFTA نحو42 % من إجمالي العاملين في قطاع الفنادق والمطاعم ونحو 34 %من إجمالي العاملين في قطاع البناء، ونحو 50 % في قطاع الكيمياء والصناعات الدوائية و نحو42 %من العاملين في صناعة الساعات السويسرية.
كما ارتفع عدد العاملين من EU/EFTA في قطاع الصحة والعمل الاجتماعي بين عامي 2010 و2025 بنحو 90 ألف شخص.
وتكشف هذه الأرقام أن الاقتصاد السويسري لا يستقطب العمالة الأجنبية فقط للوظائف التي تعاني نقصاً في العمال، وإنما يعتمد أيضاً على مهاجرين في قطاعات ذات قيمة مضافة مرتفعة، مثل الصناعات الدوائية والكيميائية وصناعة الساعات والخدمات المعرفية.

من أين يأتي العمال الجدد؟
في عام 2025 وصل إلى سويسرا 93 ألف و86 شخصاً للعمل لفترة طويلة، من بينهم 84 ألف و487 شخصاً من دول الاتحاد الأوروبي والرابطة الأوروبية للتجارة الحرة.
وفي نهاية 2025 كان يعيش في سويسرا بصورة دائمة مليون و 613 ألف و 486 مواطناً من EU/EFTAمقابل 800 ألف و 922 مواطن من باقي الدول، وكان الإيطاليون أكبر مجموعة أجنبية، يليهم الألمان ثم البرتغاليون والفرنسيون.
هل تتراجع الهجرة؟
المفارقة أن صافي الهجرة إلى سويسرا تراجع في عام 2025، لكنه تراجع في الوقت الذي بقي فيه الاقتصاد بحاجة إلى العمالة الأجنبية.
فقد انخفض صافي الهجرة إلى السكان الأجانب المقيمين بصورة دائمة بنسبة 10.5% إلى 74,675 شخصاً.
ومع ذلك، بقي نقص اليد العاملة أحد أهم أسباب استمرار الهجرة المهنية، خاصة في ظل تقدم السكان في السن وخروج أعداد كبيرة من العاملين إلى التقاعد.
وتشير الحكومة إلى أن الهجرة المهنية ساعدت خلال السنوات الماضية على دعم النمو الاقتصادي وكذلك نظام الشيخوخة والتقاعد.
كما يوضح تقرير المرصد الفدرالي أن مواطني EU/EFTA ساهموا بـ28% من اشتراكات AHV/IV، مقابل حصولهم على 15% من المعاشات المدفوعة، مع الأخذ في الاعتبار اختلاف أعمار الإقامة والهجرة بين المجموعات.
ماذا ينتظر المستقبل؟
تشير المعطيات الحالية إلى أن قضية الهجرة ستبقى مرتبطة بصورة مباشرة بمستقبل سوق العمل السويسري.
فمع تقدم السكان في العمر، تحتاج سويسرا إلى تعويض جزء من العاملين الذين يخرجون من سوق العمل، بينما لا تستطيع جميع القطاعات الاعتماد على العمالة المحلية وحدها.
ومن المتوقع أن يستمر الطلب على العاملين في قطاعات: الصحة والرعاية الاجتماعية – تكنولوجيا المعلومات – الهندسة – الصناعات الدوائية والكيميائية – البحث والتطوير – البناء – الضيافة والمطاعم.
وفي الوقت نفسه، يبدو أن طبيعة الهجرة نفسها تتغير.. فسويسرا تستقطب بشكل متزايد أصحاب الاختصاص والمهارات المطلوبة، خصوصاً عندما لا تتوافر هذه المهارات بأعداد كافية داخل البلاد.
وهكذا يمكن أن تصبح المنافسة المستقبلية بين الدول ليس فقط على عدد المهاجرين، وإنما على أصحاب الكفاءات والمهارات.
استثمار في التنمية
بالنسبة إلى أسرة مهاجرة، قد تكون الحوالة الشهرية التي يرسلها أحد أفرادها من سويسرا مجرد مساعدة للوالدين أو الأبناء..لكن على المستوى الاقتصادي الأوسع، تتراكم هذه المبالغ لتصبح مليارات الدولارات التي تدخل اقتصادات البلدان النامية.
ويشير البنك الدولي إلى أن التحويلات أصبحت أكبر من بعض مصادر التمويل الخارجي الأخرى بالنسبة إلى البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، وأنها تساهم في تمويل الصحة والتعليم وتحسين الظروف المعيشية والوصول إلى الخدمات المالية.
وهكذا فإن العامل المهاجر يعيش اقتصادياً في فضاء يتجاوز الحدود: يعمل في سويسرا، ويساهم في اقتصادها، ويدفع الضرائب والتأمينات، وينفق داخلها، وفي الوقت نفسه يرسل جزءاً من دخله إلى اقتصاد بلد آخر.
وبالنتيجة..
تكشف أرقام التحويلات وسوق العمل، أن الهجرة بالنسبة إلى سويسرا ليست قضية سكانية فقط، بل أصبحت جزءاً من المعادلة الاقتصادية.
ففي عام 2024 خرج من سويسرا 8.6 مليارات فرنك في شكل تحويلات من العمال المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية، بينما وصل عدد العاملين الأجانب في 2025 إلى نحو 1.9 مليون شخص.
ومع استمرار الشيخوخة السكانية والحاجة إلى اليد العاملة، يبدو أن السؤال الأساسي للمستقبل لن يكون فقط: كم مهاجراً تحتاج سويسرا؟
بل: أي مهارات تحتاجها سويسرا، وكيف تستطيع جذبها والاحتفاظ بها، وفي الوقت نفسه ضمان اندماج أصحابها في المجتمع وسوق العمل؟
هذه المعادلة ستكون من أهم الملفات الاقتصادية والاجتماعية في سويسرا خلال السنوات المقبلة.
