“معاً ضد العنصرية”.. سباق يجمع مئات المشاركين في زيورخ(1ـ2)
- زيورخ – (سويسرا والعرب): قاسم البريدي:
لم يكن سباق الجري وحده هو الحاضرة اليوم في حديقة «بيكر أنلاغه» في مدينة زيورخ، بل كانت هناك أيضاً رسالة واضحة أراد مئات المشاركين إيصالها: لا مكان للعنصرية والتمييز والإقصاء في المجتمع.
فعلى مدار ساعات، تحولت الحديقة إلى مساحة تجمع بين الرياضة والعمل التضامني، خلال الدورة الخامسة والعشرين من فعالية «Lauf gegen Rassismus» – سباق ضد العنصرية، التي تقام في زيورخ منذ سنوات بمشاركة أشخاص من أعمار وخلفيات مختلفة.
وبحسب المنظمين، شارك في دورة هذا العام 521 شخصاً، بينهم أطفال وشباب وكبار سن، إضافة إلى مشاركين من خلفيات ثقافية واجتماعية متعددة.
المشاركون لم يأتوا فقط من أجل تحقيق أرقام رياضية، وإنما للمساهمة في جمع التبرعات ودعم مشاريع تعمل في مجال مكافحة العنصرية والتمييز وتعزيز حقوق وتعليم الأشخاص ذوي خلفيات مهاجرة.

كل دورة تحمل رسالة
فكرة السباق بسيطة: يركض أو يمشي المشاركون دورات متتالية حول حديقة «Bäckeranlage»، وتُحتسب الدورات إلكترونياً بواسطة رقم يحمل شريحة إلكترونية.. ويبحث المشاركون مسبقاً عن أشخاص أو مؤسسات ترعاهم، بحيث تتحول كل دورة إضافية إلى مساهمة مالية أكبر في دعم المشاريع المستفيدة.
وهكذا يصبح الركض وسيلة للتضامن، وتتحول المنافسة الرياضية إلى عمل جماعي يحمل بعداً اجتماعياً وإنسانياً.
واللافت في المشهد أن المشاركة مفتوحة لمختلف الفئات، بما في ذلك الأطفال والمسنين، ويمكن أيضاً للأشخاص الذين يستخدمون كراسي متحركة مناسبة لمسار الحصى المشاركة في الفعالية.
حصيلة رائعة…!
وتشير النتائج إلى أن المشاركات والمشاركين البالغ عددهم 521 شخصاً أظهروا التزامًا قويًا في النسخة الخامسة والعشرين من سباق مناهضة العنصرية، إذ قطعوا معًا مسافة تقارب 4200 كيلومتر، وهي المسافة المذهلة من زيورخ إلى لشبونة والعودة.
وتبلغ الإيرادات المتوقعة من الرعاية ورسوم التسجيل 150 ألف فرنك سويسري، وستعود بالفائدة على المنظمات الأربع: SPAZ، وFreiplatzaktion Zürich، وSAH Zürich، وASZ. وهي التي تُدافع عن حقوق المهاجرين وكرامتهم.
في خطابها الذي تناول مطلب هذا العام بتسوية أوضاع المهاجرين غير الشرعيين بشكل جماعي، أكدت منظمة “تجمع المهاجرين غير النظاميين” Colectivo sin Papeles أن الأمر لا يتعلق بمنحة أو معروف، بل بالعدالة. يتعلق الأمر بجعل الأشخاص الذين كانوا جزءًا لا يتجزأ من مجتمعنا جزءًا مرئيًا”. هذا ويعيش ويعمل في سويسرا ما بين 80 و300 ألف مهاجر غير شرعي، منهم حوالي 20 ألف في كانتون زيورخ، وهم يعملون في المنازل الخاصة، ومواقع البناء، والزراعة، وقطاع الضيافة.
وأضافت المنظمة: “مع ذلك، يعيش الكثير منهم في حالة من عدم اليقين المستمر منذ سنوات”، ولهذا يجب أن يتمكن المهاجرون غير الشرعيين أيضًا من ممارسة حقوقهم والعيش بكرامة.

أبرز فعاليات اليوم
إلى جانب السباق، تضمن برنامج اليوم عدد من الفعاليات المرافقة التي أضفت على المناسبة طابعاً احتفالياً وتوعوياً، من بينها:
- تنظيم جولات الجري والمشي حول الحديقة، مع احتساب الدورات إلكترونياً.
- مشاركة الأطفال والشباب وكبار السن وأشخاص من خلفيات ثقافية مختلفة.
- كلمات ومداخلات ركزت على مكافحة العنصرية والتمييز.
- تسليط الضوء على أوضاع الأشخاص الذين يعيشون ويعملون في سويسرا من دون تصريح إقامة.
- معرض للصور يستعيد محطات من تاريخ المبادرة.
- برنامج موسيقي وفعالية احتفالية بمناسبة الدورة الخامسة والعشرين.
- التعريف بالمشاريع والمنظمات التي تستفيد من عائدات السباق.
ربع قرن من التضامن
وتحمل فعالية عام 2026 أهمية خاصة، لأنها الدورة الخامسة والعشرون للسباق.. ووفقاً لمدينة زيورخ، بدأت هذه المبادرة عام 1997، وأصبحت خلال السنوات الماضية موعداً سنوياً للتعبير عن التضامن مع الأشخاص الذين يواجهون العنصرية والتمييز.
وبمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين، تضمن برنامج اليوم أيضاً فعالية احتفالية بعد انتهاء السباق، شملت معرضاً للصور واستعادةً لمحطات ربع قرن من تاريخ المبادرة، إضافة إلى برنامج موسيقي ومداخلات حول أثر السباق والمشاريع التي استفادت من عائداته.
بلا أوراق.. العنوان الأبرز
اختارت دورة هذا العام تسليط الضوء بشكل خاص على قضية الأشخاص الذين يعيشون ويعملون في سويسرا من دون تصريح إقامة، والمعروفين باسم Sans-Papiers.
وبحسب المعلومات المنشورة عن الفعالية، تركز الرسالة هذا العام على المطالبة بتسوية جماعية لأوضاع هؤلاء الأشخاص، باعتبارهم جزءاً من المجتمع السويسري، مع تسليط الضوء على ظروفهم وحقوقهم.
ومن بين أكثر ما يلفت الانتباه في مثل هذه الفعاليات أن المشاركين لا تجمعهم خلفية واحدة. فهناك كبار السن والشباب والأطفال، وأشخاص من أصول وخلفيات ثقافية مختلفة، يلتقون في المكان نفسه ويشاركون في النشاط نفسه.
وهنا تكمن أهمية السباق: فالرسالة لا تُطرح من خلال الكلمات والشعارات فقط، وإنما من خلال المشاركة المباشرة وتحويل التضامن إلى فعل ملموس.
ومن موقع الحدث، كان واضحاً أن الأجواء الرياضية والإنسانية تتداخل في مشهد واحد؛ العدّاد يحصي الدورات، والجمهور يشجع المشاركين، فيما يواصل العداؤون والمشاة جولتهم حول الحديقة.
من الرياضة إلى التضامن
«سباق ضد العنصرية» ليس سباقاً تقليدياً يبحث فيه المشاركون عن المركز الأول فقط. فالهدف الأساسي للفعالية هو جمع الأموال لدعم مشاريع ومنظمات تعمل في مجال مكافحة العنصرية وتعزيز الاندماج وحقوق الأشخاص من خلفيات مهاجرة.
وقد أشار كانتون زيورخ في وثيقة رسمية إلى أن السباق يدعم منظمات غير حكومية تعمل على تعزيز اندماج الأجانب ودعم التعايش بين مختلف فئات المجتمع، كما يساهم كانتون زيورخ في دعم الفعالية منذ عام 2017 ضمن صندوق دعم المشاريع في مجال مكافحة التمييز.
رسالة تتجاوز حدود المضمار
وهكذا.. ومع نهاية السباق، لا تنتهي الرسالة التي يحملها المشاركون.. فكل دورة، وكل تبرع، وكل صورة أو كلمة من هذا الحدث تساهم في إبقاء موضوع العنصرية والتمييز حاضراً في النقاش المجتمعي.
وفي مدينة متعددة الثقافات مثل زيورخ، بدا المشهد اليوم بمثابة تذكير بأن مكافحة العنصرية ليست قضية فئة واحدة، وإنما مسؤولية مشتركة، وأن الرياضة يمكن أن تكون مساحة للقاء والتضامن والتعبير عن رفض الإقصاء.
من «Bäckeranlage» في زيورخ، كان السباق اليوم أكثر من مجرد جري؛ كان مسيرة تضامن، شارك فيها الناس بخطواتهم، وحملوا معها رسالة واحدة: مجتمع أكثر انفتاحاً وتنوعاً وتضامناً.

