محمد مجاهد لـ (سويسرا والعرب) :(2-2) النظام الفيدرالي لا يناسب منطقتنا العربية.. والمغترب يحظى باحترام إذا كان معتزاً بأصله لا نسخة باهتة لغيره…!؟

·       (سويسرا والعرب) – حوار قاسم البريدي:

تتابع (سويسرا والعرب) نشر القسم الثاني للحوار مع الأستاذ محمد مجاهد الذي أسس أول مدرسة لتعليم العربية للدبلوماسيين والموظفين الحكوميين داخل سويسرا وخارجها …

ويتطرق هذا الحوار المهم لثلاثة محاور: الأول حول العلاقات العربية- السويسرية والدور المطلوب من الجالية العربية، والمحور الثاني: عن أول برنامج عربي في راديو برن الثقافي، والمحور الأخير عن أهمية اللغة العربية لأبناء الجالية وللسويسريين.

 س1 –أستاذ محمد.. من خلال تعاملك المباشر مع السلك الدبلوماسي، ماذا عن العلاقات العربية -السويسرية…؟

من خلال عملي لسنوات عديدة مع وزارة الخارجية السويسرية فقد بدى لي جليّاً اهتمام الدولة السويسرية بهذا الجزء من العالم، وبالتالي يعملون دائماً على توسيع وتحسين العلاقات مع معظم الدول العربية، وقد لامست بعضاً من مشروعاتهم التنموية في عدة بلدان عربية، وقد أسعدني ذلك كثيراً.

 وفي علم السياسة لكل دولة أجندة تسعى لتنفيذها في علاقاتها الخارجية، والأجندة السويسرية تركز على الجوانب الإنسانية والمجتمعية بشكل كبير، لأن سويسرا تلتزم ومنذ زمن بعيد بحياديتها التي تمكنها من لعب دور الوسيط بين الأطراف المتنازعة بكل اريحية، فهي لا تحمل إرثاً دموياً تسببت فيه حروب القرن العشرين تحديداً، ولذلك كان لهذه الدولة ولا زال دوراً إيجابياً في منطقة الشرق الاوسط.

س 2 – وهل يمكن أن تكون سويسرا نموذجاً للدول العربية؟

بكل تأكيد، يجب علينا التعلم من التجربة السويسرية في مجالات عديدة، فالحياة المدنية والتشريعات والمشروعات البديلة، كلها أفكار يمكن التعلم منها، ونقل ما يصلح منها لأوطاننا الأصلية.. فسويسرا على المستوى العالمي تعتبر نموذجاً فريداً في النمو والازدهار، ذلك لأنها دولة ضعيفة الموارد الطبيعية ، ومع ذلك وجد شعبها طريقه للرخاء من خلال التميز والابتكار في صناعات وخدمات دقيقة وفريدة، وهي قطعاً تجربة مثالية ويجب الاستفادة منها.

إلا أنني بالنظر لنظام سويسرا السياسي الفيدرالي، لا أجده مناسباً لمنطقتنا العربية تحديداً، حيث يعتمد هذا النظام على وجود وعي سياسي كبير لدى المواطن، وهو الهدف الذي يسعى له الجميع، ولكن قبل الوصول لهذه المرحلة المتقدمة من الوعي يكون هناك خطر تحول الفيدرالية لنزعات استقلالية بين أبناء الوطن الواحد.

 وبالتالي أقول: إن ما يجب علينا نقله هو عملية رفع وعي المواطن العربي السياسي، والذي يتناسب طرداً مع مستوى الوضع الاقتصادي، فكلما خفّ ثقل الأعباء المعيشية من على كتف المواطن.. كلما أصبح قادراً على استيعاب الجانب السياسي من حياته، ولذلك فعلى ارض الواقع أكثر الأنظمة الشفافة وغير فاسدة في العالم تجدها في الدول الأكثر رخاءً، كالسويد والنرويج والدنمارك وطبعاً سويسرا وغيرهم، ولذلك وجب علينا النظر لما يصلح نقله من هذه المجتمعات كالنهضة المدنية والنمو الاقتصادي.

سويسرا ساحرة.. لكنها ليست بلد مهجر!

س3 – كثيرون يحلمون بزيارة سويسرا أو العيش فيها.. ماذا تقول لهم: هل هي سهلة لمتابعة التعليم العالي أو العمل أو حتى الهجرة؟

لهؤلاء الذين يحلمون بزيارة سويسرا أقول: بإذن الله يتحقق الحلم، فسويسرا من أجمل بلاد العالم، الطبيعة ساحرة والشعب مثقف وراقي.. لهواة السفر.. أهلاً وسهلاً بكم في بلاد جبال الألب الشاهقة، والبحيرات الزرقاء الساحرة، والوديان الخضراء الآسرة.

أمّا للحالمين بالعيش في سويسرا والهجرة إليها.. فسويسرا في حد ذاتها ليست بلد مهجر، مثل كندا أو أستراليا أو أمريكا.. فهي بلد صغيرة والفرص بها محدودة، وأنا شخصياً لست من دعاة الهجرة إلا بدافع الزواج وتكوين أسرة.

وأما الهجرة من منطلق الهروب من ظروف اقتصادية صعبة.. وهو السبب الغالب على طالبي الهجرة، فأنا لا أشجع مثل هذا الدافع للهجرة، فالأوطان الأصلية بحاجة لسواعد أبنائها ولاسيما المتميزين منهم لتنهض.

وعن القدوم لسويسرا بغرض متابعة التعليم أو العمل المهني فلا شك هذا من الأشياء المفيدة، لكن فرص قبول دارسين أو مهنيين أو منح جامعية محدودة في بلد صغير كسويسرا كما أسلفنا.. ثانياً للمستوى المرتفع جداً الذي تتطلبه الدراسة أو العمل هنا..

فالنظام السويسري بشكل عام، سواءً في التعليم أو سوق العمل من أكثر الأنظمة تطلباً للدقة والانضباط والمستوى الرفيع، مما يجعل الحياة والعمل في سويسرا ليس بالشيء السهل، فعلى قدر ما تجده من خدمات ونظام ومستوى معيشي مرتفع.. على قدر ماتجده من حياة رأسمالية قاسية نوعاً ما، وعادات وتقاليد مختلفة، وفي عصر العولمة أصبحت تفتقر لكثير مما نتمتع به في منطقتنا من دفء أسري وعلاقات اجتماعية وعائلية، وما إلى ذلك.. فليس هناك جنة في مكان ما على هذا الكوكب.. ففي كل صورة نور وظل.

س4- ماذا تقول للجالية العربية في سويسرا.. وهل حققت الاندماج والحضور الثقافي والعلمي والمهني؟

أحييهم وأشد على أياديهم، فأنا أحب هذه الفئة من المهاجرين، هم ليسوا نجوماً، ولكنهم مواطنين عاديين اندمجوا ونجحوا في مجتمعاتهم الجديدة، وأعتقد أنهم الفئة الأنفع والأجدر بالتحية والاحترام لما يقدموه من إنتاج في المجتمع الذي يعيشون فيه، وهم بذلك يعكسون صورة إيجابية لأوطانهم الأصلية، صورة مبنية على أجمل ما عندنا من قيم التسامح والتعايش المشترك والتعاون المثمر، وهو ما نحتاج إلى دعمه وتصليت الضوء عليه أكثر وأكثر.

وإذا كان لي أن أوجه لهم/لنا كلمة فستكون عن موضوع (اللوبي)، وهي كلمة أصبحت فارقة في حياة الشعوب، واللوبي بمعناه البسيط هو أن تعمل المجموعة المتعايشة مع المجمعات الجديدة على إفادة أوطانهم الأصلية بما لا يخل من مستوى اندماجهم في مجتمعاتهم الجديدة، ونحن كعرب ليس لنا باع كبير في هذا الصدد، ولكن من المهم العمل على تحسينه، لما يعكسه من فائدة على بلادنا العربية.

(العربية) عمق حضاري لأبناء الجالية

س5 – أستاذ مجاهد.. ما أهمية تعليم أبناء الجالية اللغة العربية؟

تعليم أبناء الجالية العربية في سويسرا وغيرها من الدول الغربية هو من أشرف النشاطات التي نقوم بها في مدرستنا Yalla Araby، وذلك لنبل الرسالة وأهميتها، فتعلم هذه الاجيال الناشئة في الغرب للعربية له من الأهمية الكثير، فهي ربط بأصول الآباء والأجداد، الربط الذي يصنع للفرد منا تاريخاً وعمقاً، ففي عصرنا الحديث،أصبحت فئة أبناء المهجر فئة في غاية الأهمية، فهي تشكل عاملاً مؤثراً في عملية تطور ونهضة الوطن الأم إذا إرتبطوا بها، والتعويل على هذه النماذج في المستقبل رهان رابح بلا شك، فنشئتهم في بلاد متقدمة مدنياً يؤهلهم لنقل مانفتقده في العالم العربي من نهضة المدنية.

وفي المقابل تقدم الثقافة العربية لأبنائها من الجيل الثاني والثالث تميزاً بين أقرانهم ذوي الأصول الواحدة، فوجود ثقافتين للشخص كالثقافة الغربية بالإضافة للثقافة العربية هو لا شك يزيد الفرد غناً وزخماً، وخصوصاً لو تعلمت تلك الأجيال الناشئة فضل الحضارة العربية على الإنسانية بما قدمته من نهضة علمية وثقافية في الماضي، النهضة التي عبر عليها الأوروبيون لبناء حضارتهم التي نعيشها الآن، فلولا مانقلته الحضارة العربية لأوروبا من علوم كالرياضيات والكيمياء والطب والصيدلة والفلك وغيرها الكثير، لما وصل الغرب لما هو عليه من تقدم في عصرنا الحديث كما كتب الأستاذ عباس العقاد في كتابه الرائع ”أثر العرب في الحضارة الأوروبية“..

ويكفي أن تعرف تلك الأجيال أن كلمات كثيرة مستخدمة في الغرب هي من أصل عربي.. كلمات لا غنى عنها في المجالات العلمية ككحول مثلاً، وكلمات لا غنى عنها في المجالات الحياتية ككلمة سكر مثلاً، وغيرهما الكثير.. يكفي أن يعرفوا أن الأعداد 1/2/3 المستخدمة في الغرب اسمها الأعداد العربية لأنها ابتكار عربي، كما أن العرب باختراعهم للصفر بدأت فكرة البنوك، فقبل وجود الصفر لم تكن هناك إمكانية للعد بالسالب، وبالتالي فكرة الـ Cridet لم تكن مطروحة، الكثير والكثير مما قدمته الحضارة العربية للإنسانية، فوجب التعريف بذلك وتعليمه، حتى يعرف أبناء هذه الحضارة الرائعة قيمتهم الإيجابية بين أمم الأرض، وأن لا يتأثروا ببعض المتداول في وسائل إعلام بعينها.. والتي جعلت من تشويه هذه الحضارة منهجاً لها بسبب بعض الفئات الضالة هنا أو هناك، أو بسبب ظروف اقتصادية نتجت عن احتلال عسكري مرير وطويل من أباطرة الحرب في الغرب لبلادنا وبلاد أخري كثيرة في العالم.. وأن المسألة مسألة وقت حتى ننهض مرة أخرى ونعود فنقدم للبشرية ما يفيدها من أخلاق ومبادئ وفلسفات ومن علوم إنسانية وعملية كما كان في الماضي.  

س 6- بالمقابل أستاذ محمد.. نسأل: ما أهمية تعليم العربية للأوربيين…؟

بشكل عام اللغة هي أهم عناصر التواصل بين البشر، فتعلم لغات الشعوب هو الطريق الأسرع والأوقع للتعرف على مكوناتهم من عادات وتقاليد وثقافة، وهو ما يحرص عليه الأوروبيون لإشباع شغفهم بالسفر، السفر إلى بلاد الشمس وسحر الشرق الآسر، هكذا تشكلت صورة بلادنا العربية في مخيلتهم، أو في مخيلة أكثرهم من المثقفين الذين لم يسقطوا ضحايا لصور نمطية مشوهة يروج لها الكارهين منهم.

 وعلى الصعيد العملي، فمنذ بدايات الألفية الجديدة، برزت منطقة الشرق الأوسط كمركز لأهم الأحداث في العالم.. نعم لم تكن أحداثاً إيجابية ولكن في نهاية الأمر التفت العالم إلى تلك المنطقة الملتهبة، وبدء الاهتمام بها يتزايد، وأصبح تعلم العربية – خصوصاً للعاملين في المجالات السياسية والحكومية – أمراً ضرورياً، فرب ضرةٍ نافعة كما يقال، وعلينا نحن العرب استغلال مجريات الأمور للتعريف بالجانب المضيء من ثقافتنا وحضارتنا والتي تتربع اللغة العربية بما لها من سحر وجمال على عرش تلك المكونات.

قصة (أرابيسك) وإذاعة برن

س7 – وكيف حافظت على الفنون العربية واستطعت تقديم برنامج (أرابيسك) على أثير راديو برن الثقافي؟

شغفي بالموسيقى والفنون العربية قديم، وفور وصولي لأوروبا في بدايات الألفية، كانت تلك الفنون سلاحي في مواجهة مشاعر الغربة والحنين للوطن والتخفيف من آثارها السلبية، فلا يمر يوماً دون أن يدوي صوت أم كلثوم الشجي ونتابع في جنبات بيتنا، مسرحيات عادل إمام وأفكار طه حسين ومحفوظ ومصطفى محمود في كتبهم وغير ذلك الكثير..

الآداب والفنون الأصيلة كانت خير عون لي على التواصل مع جذوري وخلفيتي الثقافية، واستلهام ما يمكن أن أقدمه كمواطن عربي يعيش في قلب أوروبا، فالفرد يحظى باحترام من حوله إذا كان معتزاً بأصله وبشخصيته التي ربما تكون مختلفة، ولكن طالما اندمجت وأنتجت في المجتمع، على عكس من يتحولون بقدومهم للغرب لنسخة باهتة منهم، فيكون كالذي وقف في منتصف الطريق.. لا محل له من الإعراب…!؟

لم أتوقف منذ قدومي عن البحث عما يدعم مشروعاتي الثقافية، إلى أن أعلن راديو برن الثقافي، عن دورة تدريبية لإعداد البرامج يتبعها مسابقة للمشاركين فيها لتقديم برنامجاً على موجات هذا الراديو، واشتركت فيها وأتممتها بنجاح.

 وتقدمت بفكرة برنامج ثقافي منّوع باللغة العربية ولم أتوقع قبوله، وكانت المفاجأة.. ليس مجرد الموافقة، بل ترحيب شديد به، خصوصاً أن المحطة فيها برامج بلغات مختلفة، ولكن (أرابيسك) سيكون أول برنامج عربي يبث على أثيرها.

 وبالفعل خصصوا لي وقتاً مميزاً خلال الأسبوع لإذاعة برنامجي، وكان تعاونهم رائعاً، لينطلق البرنامج عام 2010، ولله الحمد فقد أتممت عامي العاشر بكل فخر أقدم للمستمعين بعضاً من درر الثقافة العربية، وأعرفهم على بعض الشخصيات التي أثرت في مجالات الثقافة والفن والرياضة وغيرها من خلال مقابلات شيقة مع المختصين..

س 8- وما هو شعورك بعد عشر سنوات على (أرابيسك) هل تعتبرها تجربة ناجحة؟ .. وما وردود فعل المستمعين؟

 هو شعور رائع في حد ذاته، يزيده روعة ردود الفعل سواءً من المحيطين بي من أصدقاء ومعارف ودارسين للغة العربية، وأيضاً من مستمعين أبدوا إعجابهم بما أقدمه لإدارة المحطة والحمد لله.

 وأنا أعتبر هذا العمل مكملاً بشكل ما لمهنة تدريس العربية للناطقين بغيرها، فنحن في هذا المجال لا نقدم للدارس معلومات وقواعد لغوية فقط، لأن الجانب الثقافي للشعوب العربية جزء رئيسي مكمل لعملية تعليم اللغة كالعادات والتقاليد والفنون وغيرها..

 ولهذا أصبح طلاب مدرسة (يلا عربي) من متابعي البرنامج، وهذا من دواعي سعادتي، وأحرص أن أوجه لهم كلمة أو سؤالاً في شكل مسابقة في الحلقات، وأهدي لهم أغنيات وأناقشهم في معانيها لاحقاً.. وأعتبرها تجربة ناجحة، وتستهويني.

س9 – وهل من كلمة أخيرة؟

شكر جزيل لموقعكم الكريم (سويسرا والعرب) على هذه الاستضافة الجميلة، وأرجو أن تتحقق الاستفادة من هذا الحوار الممتع، متمنياً للقراء الأعزاء ولكم عاماً جديداً تملؤه الصحة والسعادة وصالح الأعمال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *