أفانش.. عاصمة هلفاتيا الرومانية تستحضر عظمتها الحضارية

(سويسرا والعرب) – متابعة قاسم البريدي وتصوير دانييل تروليه

بلدة أفانش السويسرية الصغيرة ليست بلدة عادية فهي تجمع بين التاريخ من أوسع أبوابه وبين الحاضر بكل فنونه وإبداعاته، فكيف استطاعت خلال فترة قصيرة استحضار عظمة الإمبراطورية الرومانية التي امتدت من اوروبا إلى شمال افريقيا والمشرق…؟

وكيف استطاعت أن تجذب إليها آلاف الزوار والسياح سنوياً عبر عشرات المهرجانات الموسيقية والفنية والمعارض والحفلات العالمية، سواء على مدرجها الروماني أو في ساحاتها الأثرية الفخمة أو في قلب المدينة وشوارعها التي تنتمي للعصور الوسطى…؟

هذه الأسئلة نجيب عليها من خلال زيارتنا للبلدة الأثرية والتعرف على واقعها وأهم نشاطاتها.

الموقع والتاريخ

رحلتنا اليوم إلى بلدة أفانش الواقعة بكانتون (فو) جنوب سويسرا، وهي في الأصل مدينة رومانية كانت عاصمة الهيلفات (سويسرا) وكانت تعرف باسم “أفونتيكوم”، واحتلت مركزاً اقتصادياً وروحياً وثقافياً هاماً عبر التاريخ.

وكانت هذه المدينة تحتوي على عدة حمامات عامة، ومسرح، ومنتدى، ومعبد، وعاش فيها ما يقرب من 20000 نسمة، وكانت محميًة بجدار يصل طوله إلى خمسة كيلومترات وعلوه حوالي سبعة أمتار مع أكثر من 70 برجاً يحيطون به، كما كان يوجد فيها أيضا مدرج رائع، وهو لا يزال قيد الإستخدام حتى اليوم.

وتعتبر أفانش اليوم من البلديات متوسطة الحجم في كانتون فو ويبلغ عدد سكانها نحو خمسة آلاف نسمة واللغة الرسمية هي الفرنسية، وتقع على تلة جميلة على بعد1.5 كم من بحيرة مورتين تحيط بها الغابات.

العصر الذهبي

وأحد اسرار شهرة أفانش اليوم مدرجها الروماني الذي مضى على وجوده ألفي عاما، وكان يمثل سوقاً مهمّة لتبادل السِّلع القادمة من منطقة البحر الأبيض المتوسط عبْر نهر الرون وبحيرة جنيف، ومن بحر الشمال عبْر نهر الراين وبحيرات الهِضاب العليا.

وكانت تجري في المدرج ألعاب الصيد ونزلات المصارعة، وقد تكون مصحوبة بعزف موسيقي، واللافت أن الغزو الألماني في القرن الثالث الميلادي قضى على العهود الذهبية للمدرج الروماني في مدينة أفانش، وفي القرون التالية بعد ذلك، تحوّلت الآثار الرومانية العريقة إلى كهوف تُنزَع حِجارتها لبناء الجدران والمنازل، فيما بقي المدرج الروماني نفسه مدفونا تحت الأرض إلى حدود عام 1940، عندما بدأت أشغال الحفريات وترميم الآثار التاريخية، ومع نهاية التسعينيات، أضحت أفانش تجتذب أكثر ما تجتذب طلاب المدارس والسياح ثم استطاعت أن تكون مشهورة عالمية من خلال أنشطتها المميزة.

مهرجان سنوي منذ ربع قرن

وفكرة احياء الحفلات في المدرج الروماني كانت أشبه بالحلم، حيث تلقى المكتب السياحي في أفانش رسالة من مغنّي للأوبرا السويسري سيرجيو فونتانا، يقترح فيها تنظيم عروض مسرحية غنائية على المدرج، ووقتها استغرب الناس هذا المشروع المغامر بالنسبة لبلدة صغيرة معتقدين صعوبة حضور الناس خصوصاً في الهواء الطلق.

لكن في نهاية المطاف، تمكّنت المبادرة من إحراز الدّعم الكافي، واستطاع مغني الأوبرا، الذي يؤدي عروضا غنائية في دور الأوبرا الأوروبية، من الاتفاق مع فرقة أوركسترا وتشكيل جوقة موسيقية، وخلال سنة كان كل شيء جاهز لانطلاق أول مهرجان “أوبرا عايدة” في عام 1995، بستة عروض أحدثت ضجّة كبيرة.

ومنذ ذلك التاريخ أصبح مهرجان الأوبرا في أفانش تظاهرة ثقافية فنية، تقام سنويا في موسم الصيف وفي الهواء الطلق على المدرّج الروماني الشهير فيها والذي يستوعب نحو ستة آلاف متفرج، إضافة لحفلات الموسيقى والعروض الأخرى التي باتت تأخذ نصيبها أيضاً.

 واستطاع المهرجان منذ انطلاقته قبل ربع قرن وحتى اليوم من اجتذاب أكثر من 800 ألف متفرج، وشهد الكثير من الأعمال الفنية الكبرى دون انقطاع مثل: أوبرا عايدة ونابوكو ولاترافياتا وتوراندو وحلاق إشبيليا وريغوليتّو والناي السحري، ويتم تأمين أكثر من 80٪ من تمويل المهرجان من خلال التذاكر، والباقي من الدعاية والتسويق. 

نشاط سياحي مرافق

وحقق المهرجان السنوي للأوبرا إنجازا موازياً على المستوى السياحي، وأغلب رواده يخصصون أيضاً وقتاً للتعرف على المعالم الرومانية في البلدة وعلى ما فيها من آثار من العصور الوسطى، وهذا يساهم بتنشيط حركة السياحة في الفنادق والمطاعم بشكل لافت على خارطة السياحة السويسرية.

ومن جانب آخر يشكل مهرجان أفانش تحديا كبيرا لاستمرار نجاحه سنوياً، فثمّة حاجة إلى تطوير منصّة الاستعراض، ذات الوسائل والإمكانات التقنية المحدودة والتي قد لا تلبي طموح الفنانين، إضافة للاحتياجات الأخرى كمواجهة الأحوال الجوية المفاجِئة، مثل هبوب الرياح وانتشار حبوب اللقاح والتغيّرات المناخية من رطوبة وحرارة وأمطار، وفي كل مرّة تكون فيها الأمور على ما يرام، تتحقّق ما يمكن وصفها بالمعجزة الصغيرة على حد قول أحد المنظمين حيث يشارك مئات الأشخاص المتطوِّعين في تنظيم المهرجان.

الامبراطور ماركوس

ومن أبرز معالم أفانش المتحف الروماني وهو بناء أثري لبرج أقيم على الساحات الرومانية في القرن الثاني عشر، وافتتح عام 1938 ويحوي لوحات من الفسيفساء والنقوش ووثائق بالحروف اللاتينية عن هلفيتيا والحياة اليومية والعبادة فيها، كما يحوي على مجموعة آثار اكتشفت خلال عمليات التنقيب وبعضها لا يقدر بثمن بسبب ندرتها وأهمها تمثال الذهب الشهير للإمبراطور ماركوس أوريليوس الذي عثر عليه في عام 1939 في الأقنية القديمة.

كرنفال وسوق للحرف اليدوية

أما كرنفال البلدة التقليدي فيقام في نهاية فصل الشتاء مع أصوات الموسيقى وإيقاع مسير المواكب المشاركة ويستمر لمدة ثلاثة أيام وسط أجواء من المتعة والبهجة لحفلات الاستعراضات الراقصة المنوعة التي تغزو شوارع مدينة العصور الوسطى والمدرج الروماني.

ومن الأنشطة الترفيهية الرياضية في الربيع مهرجان المشي والمسير بالدراجات انطلاقاً من البلدة وحول بحيرة مورا القريبة منها وتم الغائه هذا العام، كما تم تأجيل العديد من الأنشطة كعروض المسرحيات التقليدية التاريخية والمعارض الفنية التي تجمع بين الماضي والحاضر.

ويشارك سنوياً ما يقرب من 100 عارض في سوق الفنون والحرف اليدوية الكبير ويقدمون مجموعة من الأعمال المعاصرة والإبداعات القائمة على المواد التقليدية كالجلود والمنسوجات والورق والخشب أو الزجاج، إلى جانب عروض للمجوهرات والصابون ومستحضرات التجميل وكذلك مختلف الأطعمة والمشروبات حيث يتم تخصيص جزء مهم من السوق للمنتجات المحلية.

مهرجان موسيقي مميّز

ويعتبر المهرجان الموسيقي الدولي، الذي يقام في سبتمبر أيلول من كل عام، ثاني أهم حدث من نوعه في سويسرا، ويشمل موسيقى الروك والموسيقى الحديثة والفرق النحاسية والموسيقى العسكرية والوشم العسكري وهي شائعة في شمال أوروبا وتتزايد شعبيتها في سويسرا.

 ويعد المهرجان الحدث الوحيد من نوعه في المنطقة السويسرية الناطقة بالفرنسية، ويجمع ما يقرب من 500 موسيقي – عسكري ومدني – من جميع أنحاء أوروبا وأحيانًا من قارات أخرى، وتقدم المجموعات المدعوة، عروضا مذهلة للموسيقي والرقص العالي تثير حماس الجمهور سواء من الألحان الشعبية القديمة أو الحديثة.

عاصمة الفروسية

وتعتبر أفانش أيضاً عاصمة الفروسية في سويسرا حيث افتتح فيها عام 1999 المعهد الوطني للفروسية (IENEA) وهو  أكبر مركز خيول متعدد التخصصات في سويسرا (السباقات، ومسابقات القفز، والجيش، والقيادة، والترويض،) وتقام في مضمار أفانش بطولات الخيول العالمية ومنها بطولات الخيول العربية الأصيلة.

 كما ينظم المعهد الوطني (IENA) مهرجان الفروسية السنوي التقليدي في سبتمبر أيلول، وفيه تجري العديد من مسابقات الخيول وسباقات الهرولة والركض، بالإضافة إلى أيام العائلة “اكتشاف الحصان”.

مهرجان الفن السابع

 أما مهرجان الأفلام الذي كان مقرراً في الفترة من 7 إلى 10 مايوآيار فتم تأجيله إلى شهر أكتوبر تشرين الأول بسبب الظروف الصحية المرتبطة بفيروس كورونا، وهو مهرجان منوع يتيح للجمهور فرصة مشاهدة الأفلام القصيرة والقصيرة للمخرجين من سويسرا وأماكن أخرى والمشاركة إلى العديد من الأنشطة المتعلقة بالفن السابع.

وهناك عشرات الأنشطة المهمة التي لم نتحدث عنها ومنها معرض الغزل والنسيج للمنتوجات التقليدية وسوق السلع المستعملة الذي يتيح فرصة للبحث عن الأشياء الجميلة ذات الطابع الفريد، إضافة إلى إقامة مخيمات الصيف للسياح والزوار على حافة بحيرة مورتين، الجميلة بشواطئها الرملية ومياه الاستحمام، وتوفر راحة عصرية وأجواء ودية وإطلالة بانورامية خلابة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *