مصطفى ميمتي: دار الأديان في برن نموذج رائد في أوروبا. والمتشددون يحاربونا …؟

(سويسرا والعرب) – قاسم البريدي

من يزور العاصمة السويسرية برن ستدهشه الكثير من الأشياء التي لها قصصها عبر التاريخ الموغل في القدم، لكنه بذات الوقت سيكتشف كنوزاً ثقافية معاصرة ومنها مجمع (دار الأديان) الذي أراد توحيد جميع الأديان تحت سقفه.. فما سر هذه الدار…؟

 ورغم أن فضولي الصحفي لم يهدأ لزيارة الدار، ذات الواجهة الزجاجية الجميلة التي تعلوها قبة مسجد ومعبد بوذي وصليب وشعارات دينية أخرى.. إلا انني تأخرت كثيراً.. ولكن عندما علمت أن خطيب المسجد فيها عاش ودرس في دمشق سرعان ما قررت الذهاب إليها برفقة سيدة فلسطينية تعشق الشام أيضاً.

يجمع كل الناس

مصطفى ميمتي أحد مؤسسي دار الأديان وإمام المسجد استقبلنا بحرارة في مكتبه، ولم تنقطع أسئلته عن الشام وأحيائها وتفاصيلها الصغيرة والكبيرة، لأنه درس فيها العلوم الشرعية لمدة ست سنوات وأحبها، لتتدخل مرافقتي سهاد عابدين لتقول له: تبادلتم الأدوار فصرت أنت الصحفي يا رجل؟!.. وعندها ضحك وبدأ حديثه الشيق عن الدار..

يقول الإمام مصطفى: مجمع الأديان في مدينة برن عاصمة سويسرا، يمثل فكرة جديدة ليس لها سابقة، وهي تحاول بالأساس جمع شمل الناس بصرف النظر عن هويتهم شكلهم دينهم ايديولوجيتهم مذهبهم وغير ذلك.

ويضيف: نحن نستهدف في نهاية المطاف الحياة بحيث تتمتع جميع الكيانات بحرية الاعتقاد والتفكير والتعبير، والحصول على حقوقهم في الحياة والعدالة والمساواة وكذلك الفرص المشتركة، وهذا هو الأساس هنا في هذا البلد الديمقراطي المتعدد الثقافات.

وخلص للقول: وفي الحقيقة أن هذا المجمع مبني على الاستيعاب والتسامح وقبول الآخر بصرف النظر عن الشخص كائناً من كان، وأعتقد أن فكرتها سيكون لها مستقبل في أوروبا.

الحلم.. صار حقيقة

وسألته كيف ولدت الفكرة.. فأجاب الإمام مصطفى قائلاً:

 بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 التقى مثقفون سويسريين مع مجموعة متنورة من رجال الدين للتعاطي مع الديانات الأخرى لاسيما الاسلام، ووضعوا تصوراً يشبه المدينة الفاضلة لمنزل يمكن أن تتعايش وتتأخى فيه جميع الأديان معاً.

وأضاف: سرعان ما تبلورت الفكرة التي تشبه الحلم شيئاَ فشيئاً لتتحول إلى واقع حقيقي من خلال مقر مؤقت استمر العمل فيه عدة سنوات رافقتها حملة لجمع التبرعات، ثم تم إشادة هذا البناء الحديث عام 2008 وهو ليس بعيداً عن مركز مدينة برن، ويقع بجوار مقرّ الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون، والذي أطلق عليه اسم “دار الأديان – حوار الثقافات”

وأشار الإمام مصطفى إلى افتتاح الدار رسمياً في ديسمبر/كانون أول 2014، ولها مجلس إداري يمثل 13 ديناً منها اليهودية والسيخية والبهائية، وفيها أماكن العبادة لخمس ديانات تحت سقف واحد هي: البوذية والمسيحية والمسلمة والهندوسية والعلوية التركية، وترتبط هذه المعابد بمساحة حوار مفتوحة ومحايدة تضم عدة صالات مشتركة ومطعم، وتدعو الزوار إلى حوار بين الأديان والثقافات.

اندماج المهاجرين

وعن نشاط دار الأديان في زمن كورونا يقول الإمام مصطفى:

النشاط توقف تقريباً، بينما كان سابقاً لا يهدأ وتشارك به جميع الهيئات الأهلية والحكومية من خلال ورشات عمل يومية للمدارس والجامعات وبمشاركة الجميع ومن جميع الأديان الأخرى، وكل يوم كان يشهد 3- 4 ورشات عمل، إضافة إلى تنظيم المعارض والمؤتمرات والموائد المستديرة أو مسرحيات أو تناول وجبة مشتركة في المطعم النباتي الهندوسي.

وعن سبب اختيار معابد بعض الديانات، دون غيرها؟ أوضح أن السبب ببساطة هو أن أتباع هذه الديانات يحتاجون بالفعل إلى اماكن وفضاءات لممارسة عباداتهم في هذه المدينة التي تؤوي الكثير من المهاجرين متعددي الاديان والثقافات، والذين كانوا يمارسون عباداتهم في فضاءات ضيّقة توجد في الأحياء الصناعية أو في أقبية تحت الأرض، ومثل هذه الدار تسهل للمهاجرين ايضاً الحوار والتعايش بين الثقافات واندماجهم في المجتمع السويسري.

اتحاد المسلمين.. صعب ..!؟

وعن موقف المتشددين من دار الأديان يقول الإمام مصطفى: انهم يحاربوننا لأننا نمثل الإسلام المعتدل والمتسامح وبعضهم ذهب أكثر من ذلك وحرم الصلاة في مسجدنا، وتبين لنا أن الفاشلون من كل الأديان والطوائف هم أكثر تشدداً ليعوضوا فشلهم وبكلام آخر هم يثأرون على أنفسهم.

وأضاف: الاختلاف أساسي وممكن أن يكون نعمة أو نقمة، والوسيلة الوحيدة هو الحوار بحيث نتحدث سوياً ولو لألف سنة أفضل من أن نحارب أنفسنا ولو يوماً واحداً..

وتابع يقول: لكن بعضهم لا يريدون الحوار وليس لديهم حجج وبراهين (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين)، وكل الأمور تثبت أن منهجهم كارثي ويؤدي إلى التشتت، ولهذا لابد من البحث عن رؤية جديدة علمية بعيدة عن الإسلام السياسي الذي يهيمن على بعض المساجد التركية والعربية بشكل خاص، وبعضهم جاؤوا من حركات الأخوان المسلمين في البدايات وتزوجوا هنا وصاروا يروجون لأفكارهم.

وقال: للأسف الأديان الأخرى كالمسيحية واليهودية وغيرها نجحت في تكوين اتحادات خاصة بها من خلال جو ديمقراطي يقبل التعددية ويقبل الرأي الآخر ودون أي تسييس، في حين أن الحوار داخل الدين الإسلامي ليس سهلاً في الوضع الراهن ومعظم المساجد لها اتجاهاتها الثقافية المختلفة والمسيسة.

وأضاف مصطفى ميمتي: الحوار داخل البيت الإسلامي يحتاج لجهد كبير وتدريجي، ونحن نرفض الآراء المتشددة، وبنفس الوقت نتعاون مع الجميع داخل سويسرا وخارجها، لكننا لا نقبل التعليمات من أحد.

وقال: لهذا علينا في عصر العولمة أن نحتكم للعلم الذي يسمح لنا بالتفسير الصحيح لكتاب الله وجميع الكتب الدينية، وهنا تأتي مسألة الديمقراطية وحرية الانسان والمساواة وإعطاء نفس الفرص، وهذا هو الأساس لأن الإسلام الحقيقي جاء لهذا الهدف ليكون الانسان حراً ويعبر عن حياته في نطاق القانون بحيث لا يعتدي على الآخرين.

واختتم حديثه بالقول: لابد من إعادة النظر في تفكيرنا كمسلمين للحوار مع الأديان الأخرى والتآخي معها، ولهذا جاءت فكرة بيت الأديان في سويسرا للمسلمين وبقية الأديان المنفتحين الذين ليس لديهم مشكلة مع الأطراف الأخرى.. وجميع المسلمين الذين يعيشون في سويسرا متسامحون ومنفتحون على الآخرين، والمشكلة تكمن في إدارات بعض المساجد وتبعيتها الثقافية وتأهيلها العلمي.

مسلمو سويسرا: يشكلون 5.5% من السكان وأغلبهم أوربيون ومن الشباب

من هو مصطفى ميمتي؟

 إمام مؤسسة الإسلام في دار الأديان، ويخطب في ثلاث لغات العربية والألمانية والألبانية.

1962 الميلاد وهو ألباني الأصل والداه من صربيا.

1976-1982 درس الثانوية والمعهد الشرعي في دمشق.

1982-1986 درس في كلية الحديث والدراسات الإسلامية في المدينة المنورة بالسعودية.

1989 درجة الماجستير في جامعة زيتونة في تونس.

1991 يهرب من الحرب في يوغوسلافيا لسويسرا ويحصل على الجنسية عام 2005.

2014 إفتاح بيت الأديان في برن.

2018 دورة تدريبية في كلية اللاهوت بجامعة برن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *